لا أعرف ما سر العلاقة التي تربط العاصمة السورية “دمشق” مع كلمة ” الثامنة ” قد تكون المصادفة وقد تكون علاقة ما من نوع خاص. ففي شهر نيسان/ أبريل من العام ألفين وتسعة، ظهر تقرير لـ “نيوأوفس سبيس ريبورت” وردت فيه  قائمة بالمدن العشر الأكثر غلاء في اسعار المحلات التجارية والمكاتب، وكان نصيب مدينة دمشق في هذا التقرير المرتبة “الثامنة” عالميا أي جاءت في القائمة بعد باريس وقبل نيويورك وقد شكل التقرير يومها  صدمة قوية لعامة الناس في سوريا .

مطلع  شهر نيسان/ أبريل من العام الجاري 2010 صدرت دراسة لمؤسسة كوشمان وويكفيلد المتخصصة بمتابعة أسعار العقارات حول العالم، وجاءت دمشق في المرتبة “الثامنة” أيضا من بين أغلى عشر مدن في العالم في مؤشرات أسعار المكاتب والعقارات مما أدى إلى صدمة جديدة  لكن الدهشة لم تقتصر على عامة الناس  هذه المرة بل امتدت لتصل إلى وزير المالية في الحكومة السورية الذي استغرب وشكك في نتائج الدراسة .

أما المكان الذي ارتبطت فيه دمشق بكلمة “الثامنة” أيضا فكان مشروع “البوابة الثامنة “الذي تطوره وتبنيه شركة إعمار العقارية الإماراتية، أوليس غريبا هذا الإرتباط الجديد و المفاجئ بين دمشق و “الثامنة “؟.. أنا مستاء لأني لم أجد تفسيرا لهذا الربط العجيب.. وحتى لو وجدت تفسيرا فليس هذا هو بيت القصيد لأن “النقطة ” قائمة على سؤال محير جدا وهو ..  لماذا كل هذا الإرتفاع في أسعار العقارات في سوريا؟

في عام ألفين واثنين كان سوق العقارات في سوريا هادئا تماما، فما الذي جعله يستعر فجأة؟.. من خلال مراجعة سريعة للأحداث والتطورات في عام ألفين وثلاثة وما بعد وجدت أن ارتفاع  أسعار العقارات في بعض المدن السورية وخاصة دمشق وحلب والساحل السوري كان نتيجة لمجموعة من الأحداث السياسية والإقتصادية الداخلية والخارجية. وأول هذه الأحداث كان غزو العراق فعلى إثر هذا الغزو هرب ملايين العراقيين باتجاه الدول العربية الأخرى وكان نصيب سوريا منهم أكثر من مليون عراقي حملوا معهم أموالهم ومتاعهم والتجأوا إلى سوريا وبالتحديد إلى مدينة دمشق كونها العاصمة من جهة وأقرب المدن السورية الرئيسية إلى بغداد من جهة أخرى، وقد خلق الوافدون الجدد أزمة سكن خانقة في دمشق وضواحيها أدت وبضغط من تفوق الطلب على العرض إلى رفع إيجار الشقق السكنية والمحلات التجارية إلى مستويات عالية  لم تكن معهودة قبل شهور من الغزو الأمريكي للعراق.

بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحرير في شباط / فبراير من عام ألفين وخمسة، وبالتزامن مع خروج الجيش السوري من لبنان خشي الكثير من السوريين على ودائعهم  في البنوك اللبنانية فتدافعوا لسحبها  وتفريغ حساباتهم ونقل أموالهم إلى سوريا وأماكن أخرى، وبما أن السوري مكتوٍ كثيرا بنار التضخم ولا يحبذ الإحتفاظ بالنقد السائل  في بيته..  ونظرا لضعف الثقة بالبنوك الحكومية..  وخشية أن تطرح عليهم السلطات أسئلة مشابهة للسؤال الشهير..  من أين لك هذا؟ ..لهذه الأسباب وغيرها حول الكثير من السوريين أموالهم القادمة من لبنان باتجاه العقارات لقناعتهم أن العقار قناة استثمارية جيدة ووعاء مناسب للادخار وقادر على حماية الأموال من التضخم وقد قدر المصرفون الأموال العائدة من لبنان إلى سوريا آنذاك  بأكثر من أربعة مليارات دولار وهو مبلغ ضخم جرى استثمار معظمه في المدن الرئيسية والمناطق السياحية من الشريط الساحلي مما أسس لطفرة في أسعار العقارات بدأت تظهر جليا منتصف ألفين وستة وبداية  ألفين وسبعة.

مطلع عام ألفين وخمسة ظهرت في الإمارات بوادر فقاعة عقارية فبدأت الشركات الذكية بالتحرك نحو دول واعدة استثماريا وكان أن حظيت سوريا باهتمام عدد من الشركات الخليجية والإماراتية وبالتحديد من شركة إعمار العقارية التي أعلنت عن عدد من المشاريع الضخمة بالتزامن مع إقبال كبير من قبل رجال أعمال خليجيين على شراء الأراضي بمساحات ضخمة في ضواحي دمشق وبعض مناطق الساحل السوري  مما هيأ مناخا خصبا لنشر ثقافة جديدة قائمة على أساس أن الاستثمار العربي والخليجي بدأ بالتدفق على سوريا وقد ساهم صانع القرار الإقتصادي السوري في نشر هذه الثقافة – بقصد أو بلا قصد – مما دفع بنسبة كبيرة من رجال الأعمال السوريين للمضاربة في قطاع العقار وتحريكه بطريقة مبالغ فيها وهذا ما أدى بدوره إلى جذب أعداد كبيرة من أبناء الشعب السوري إلى هذا القطاع للعمل كمقاولين ووسطاء وسماسرة بل و تمكن قطاع العقار وبلا مبالغة خلال الفترة الممتدة من ألفين وخمسة وحتى ألفين وثمانية من جذب نسبة كبيرة من المهندسين والمحامين والأطباء والمدرسين للعمل فيه كوسطاء – تحولت  سمسرة العقارات في مرحلة من المراحل لعمل من لا عمل له – مما خلق حراكا كبيرا في هذا القطاع ودفع بالكثير من الناس إلى جمع مدخراتهم والحصول على قروض من البنوك الحكومية والخاصة  للمتاجرة بالعقارات ولعل هذا ما أدى إلى ارتفاع الأسعار نحو مستويات جديدة وغير مسبوقة.

ليس عيبا أن ترتفع أسعار العقارات في سوريا وليس عيبا أن تكون أسعار العقارات في دمشق كأسعار العقارات في باقي عواصم العالم لكن العيب في أن يكون الفرق هائلا بين سعر المسكن والدخل الشهري للإنسان السوري.. ليس عيبا أن يكون معدل سعر الشقة السكنية في دمشق.. مئة الف دولار  لكن العيب في أن يتراوح سعر الشقة بين ثلاثة وخمسة ملايين دولار.. وهي أسعار غير موجودة في العديد من العواصم الأوروبية.. أليس عجيبا أن يطلب صاحب شاليه في “الرمال الذهبية ” على الساحل السوري عشرة آلاف دولار ثمنا للمتر المربع الواحد؟..  علما أن عمر البناء أكثر من ثلاثين عاما .. وكلفة المتر المربع لا تتجاوز في حدها الأقصى مستوى خمسمئة دولار ولو قال أحد أن سعر الأرض هناك مرتفع فسأقول- سرا  لمن لا يعرف وهم كثر – أن الجمعية التي أنشأت الرمال الذهبية مطلع السبعينات اشترت المتر المربع بثمان ليرات سورية أي ما يعادل ثلاثة دولارات في ذلك الزمان وسعر “الشاليهات” في جمعية القضاة وثمن الأراضي في المناطق المجاورة للرمال الذهبية ما زالت على الأرض ولم تحلق في السماء كما حلقت أسعار “شاليهات الرمال الذهبية” وبدون أي مبررات مقنعة.

مما لا شك فيه أن هناك مبالغة كبيرة جدا و غير مفهومة في أسعار عقارات دمشق وضواحيها وأسعار العقارات السياحية في الساحل السوري كما أن المحلات التجارية في جميع المدن السورية مبالغ فيها لدرجة الجنون دون أي مبرر منطقي  فالمحل التجاري الذي يطلب صاحبه مليون دولار كثمن دارج  عائده المادي ضعيف جدا ولا يزيد في أفضل الأحوال عن واحد بالمئة من قيمته سنويا..  إذن فلماذا هذه المغالاة؟

إن المغالاة في تأجيج  أسعار العقارات في سوريا خلال المرحلة الراهنة ناجمة عن عدم وجود قنوات استثمارية بديلة للعقار بالتزامن مع وجود مضاربين رفعوا أسعار العقارات خلال السنوات الماضية بطريقة جنونية وكانوا ينوون البيع في قمة الطفرة للمستثمرين الخليجيين  لكن الأزمة المالية  العالمية التي ضربت عميقا في منطقة الخليج العربي  قضت على أحلام المضارب السوري، وبالرغم من مكابرة هؤلاء المضاربين حتى اللحظة الراهنة  إلا أن قدرتهم على الاستمرار في المكابرة ولفترة طويل لن يدون وسيجدون أنفسهم في نهاية الأمر ملزمون بخفض رأسهم للعاصفة لأن عاصفة هبوط أسعار العقارات في سوريا قادمة لا محالة وإن تأخرت لحين ومن المتوقع أن يبدأ صبر المضاربين بالنفاذ خلال سنة أو سنتين من الآن خاصة وأن بعض التقديرات تشير إلى وجود أكثر من 12 مليار دولار معلقة في قطاع العقارات والأجدى لأصحاب هذه الأموال.. والأجدى للبلد  أن تتجه هذه الأموال الطائلة إلى قنوات استثمارية أخرى أكثر إنتاجية وأكثر خلقا لفرص العمل.

في بلد يفتقر للخطط الاقتصادية الخلاقة القادرة على حل مشكلة تكدس الأموال في قطاع واحد كقطاع العقار يكون صانع القرار الاقتصادي مدعو  لخلق حلول ذكية واستثنائية قادرة على إعادة تحريك هذه الأموال و توجيهها نحو قطاعات حيوية  أخرى كالصناعة والزراعة والسياحة والتجارة بالتزامن مع توفير حلول سكنية لشريحة الشباب عبر إقامة مدن تضم مساكن بأسعار مناسبة لأنها بالأصل مبنية على أراضي مملوكة للدولة مع الانتباه إلى أن تشجيع الاستثمار الأجنبي يجب أن لا يؤدي بأي شكل من الأشكال إلى رفع أسعار العقارات ليصبح المسكن حلما لكل شاب سوري.